العيني

262

عمدة القاري

من باب رمى يرمي ، ورقيت فلاناً بكسر القاف أرقيه ، واسترقى طلب الرقية والكل بلا همز ، ومعنى الرقية : التعويذ ، بالذال المعجمة ، وقال ابن الأثير : الرقية والرقى والاسترقاء : العوذة التي يرقى بها صاحب الآفة كالحمى والصرع وغير ذلك من الآفات . قوله : ( بالقرآن ) أي : بقراءة شيء من القرآن . قوله : ( والمعوذات ) من عطف الخاص على العام . قال الكرماني : وكان حقه أن يقول : والمعوذتين لأنهما سورتان فجمع إما لإرادة هاتين السورتين وما يشبههما من القرآن ، أو باعتبار أن أقل الجمع اثنان ، ويقال : المراد بالمعوذات : سورة الفلق والناس وسورة الإخلاص 7 لأنه جاء في بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرقي بسورة الإخلاص والمعوذتين ، وهو من باب التغليب . 5735 حدّثني إبْرَاهيمُ بنُ مُوسَى أخبرنا هِشامٌ عنْ مَعْمَرٍ عن الزُّهْريِّ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ رضي الله عنها أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، كانَ يَنْفُثُ عَلى نَفْسِهِ في المَرَضِ الَّذِي ماتَ فيهِ بالمُعَوِّذاتِ ، فَلَمّا ثَقُلَ كُنْتُ أنْفِثُ عنهُ بِهِنَّ ، وأمْسَحُ بِيَدِ نَفْسِهِ لِبَرَكَتها . فَسَألْتُ الزُّهْرِيَّ : كَيْفَ يَنْفِثُ ؟ قال : كان يَنْفِثُ على يَدَيْهِ ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِما وجْهَهُ . مطابقته للترجمة في قوله : ( بالمعوذات ) وإبراهيم بن موسى بن يزيد الرازي يعرف بالصغير ، وهشام هو ابن يوسف الصنعاني ، ومعمر بفتح الميمين هو ابن راشد . والحديث أخرجه في الأدب أيضاً عن عبد الله بن محمد . وأخرجه مسلم في الطب عن عبد بن حميد . قوله : ( كان ينفث ) بضم الفاء وكسرها والنفث شبه النفخ وهو أقل من التفل والتفل لا بد فيه شيء من الريق . قوله : ( في المرض الذي مات فيه ) أشارت به عائشة رضي الله عنها إلى أن ذلك وقع في آخر حياته : وأن ذلك لم ينسخ . قوله : ( كنت أنفث عنه ) وفي رواية الكشميهني : عليه . قوله : ( وامسح بيد نفسه ) هكذا هو في رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره : وامسح بيده نفسه ، ونفسه منصوب على المفعولية ، أي : أمسح بجسده بيده . قوله : ( لبركتها ) أي : للتبرك بتلك الرطوبة أو الهواء والنفس المباشر لتلك الرقية والذكر ، وقد يكون على وجه التفاؤل بزوال الألم عن المريض وانفصاله عنه ، كما ينفصل ذلك النفث عن الراقي . قوله : ( فسألت الزهري ) السائل هو معمر وهو موصول بالإسناد المذكور . وفيه : التبرك بالرجل الصالح وسائر أعضائه خصوصاً اليد اليمنى . ثم الكلام هنا على أنواع . الأول : قال ابن الأثير : وقد جاء في بعض الأحاديث جواز الرقى ، وفي بعضها النهي عنها ، فمن الجواز قوله صلى الله عليه وسلم استرقوا لها فإن بها النظرة ، أي : اطلبوا لها من يرقيها ، ومن النهي قوله : لا يسترقون ولا يكتوون ، والأحاديث في القسمين كثيرة ، ووجه الجمع بينهما أن الرقى يكره منها ما كان بغير اللسان العربي وبغير أسماء الله تعالى وصفاته وكلامه في كتبه المنزلة ، وأن يعتقد أن الرقية نافعة لا محالة ، فيتكل عليها ، وإياها أراد بقوله صلى الله عليه وسلم : ما توكل من استرقى ، ولا يكره منها ما كان بخلاف ذلك ، كالتعوذ بالقرآن وأسماء الله تعالى والرقى المروية . وفي ( موطأ مالك ) رضي الله عنه : أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه دخل على عائشة وهي تشتكي ويهودية ترقيها ، فقال أبو بكر : إرقيها بكتاب الله ، يعني بالتوراة والإنجيل ، ولما ذكره ابن حبان ذكره مرفوعاً : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل . . . الحديث . الثاني : هل يجوز رقية الكافر للمسلم ؟ فروي عن مالك جواز رقية اليهودي والنصراني للمسلم إذا رقى بكتاب الله ، وهو قول الشافعي ، وروي عن مالك أنه قال : أكره رقي أهل الكتاب ولا أحبه لأنا لا نعلم هل يرقون بكتاب الله أو بالمكروه الذي يضاهي السحر ، وروى ابن وهب أن مالكاً سئل عن المرأة ترقي بالحديدة والملح ، وعن الذي يكتب الكتاب يعلقه عليه ، ويعقد في الخيط الذي يربط به الكتاب سبع عقد ، والذي يكتب خاتم سليمان في الكتاب ، فكرهه كله مالك ، وقال : لم يكن ذلك من أمر الناس . الثالث : فيه إباحة النفث في الرقى والرد على من أنكر ذلك من الإسلاميين ، وقد روى الثوري عن الأعمش عن إبراهيم قال : إذا رقيت بآي القرآن فلا تنفث . وقال الأسود : أكره النفث ، وكان لا يرى بالنفخ بأساً ، وكرهه أيضاً عكرمة والحكم وحماد ، قال أبو عمر : أظن حجة من كرهه ظاهر قوله عز وجل : * ( ومن شر النفاثات في العقد ) * ( الفلق : 4 ) ، وذلك نفث سحر والسحر محرم ، وما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أولى ، وفيه الخير والبركة . الرابع : فيه